كيف غيرت الفياجرا مفهوم الرجولة: من علاج طبي إلى رمز للفحولة

 


 في عام 1998 حصلت الفياجرا على رخصة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية  (FDA)، لتصبح أول دواء معتمد لحل مشكلة الانتصاب. بعد هذا الإنجاز، فتحت الأبواب أمام شركة فايزر في سوق التسويق العالمي، لكن السؤال الذي طُرح على الشركة آنذاك: كيف يمكن تسويق دواء يعالج مشكلة حساسة ومرتبطة بالخجل مثل ضعف الانتصاب؟

الترويج للرجولة في لغة التسويق

منذ البداية، أدركت شركة فايزر أن التسويق لدواء مثل الفياجرا يتطلب التركيز على المصطلحات واللغة المستعملة. في ذلك الوقت، كانت العبارة التي تُستخدم لوصف ضعف الانتصاب هي "العجز الجنسي، وهو مصطلح صعب يدل على الفشل التام في القدرة الجنسية. فريق التسويق في فايزر قرر استخدام مصطلح جديد أكثر تقبلاً، وهو "ضعف الانتصابهذا المصطلح الجديد لم يكن يعبر عن الفشل الكامل في القدرة على الانتصاب، بل شمل أيضًا مشاكل مثل صعوبة الحفاظ على الانتصاب أو عدم تحقيق أداء جنسي مرضٍ.

في أواخر الثمانينيات، ظهر مصطلح "الضعف الجنسي" في دراسة استقصائية أجريت في الولايات المتحدة في مركز ماساتشوستس لدراسة أمراض شيخوخة الذكور. تم تقسيم القدرة الجنسية لدى الرجال إلى عدة أصناف، بحيث لم يعد الأمر يقتصر على قادر أو غير قادر، بل تم إدخال درجات متعددة من الضعف. هذا التدرج في المفهوم جعل فايزر توسع جمهورها، حيث يمكن لأي رجل يشعر بأنه يعاني من بعض الصعوبة في الانتصاب، أن يلجأ للفياجرا لحل مشكلته.

بناء سوق في حاجة إلى الفياجرا

بناء سوق في حاجة إلى الفياجرا
كيف تم بناء سوق في حاجة إلى الفياجرا؟

أظهرت دراسة مركز ماساتشوستس أن 52% من الرجال بين سن 40 و70 يعانون من درجات متفاوتة من ضعف الانتصاب. هذه الدراسة كانت بمثابة دليل تسويقي لشركة فايزر، حيث استغلت الشركة هذه الإحصائيات لتسويق الفياجرا كدواء سحري لمشكلة شديدة الانتشار. وأصبحت الشركة تروج بأن 50% من الرجال فوق سن الأربعين يعانون من ضعف جنسي.

استطاعت فايزر بذكائها التسويقي، تحويل حالة كانت تعتبر طبيعية بين الرجال مع تقدم العمر إلى حالة غير طبيعية تتطلب علاجًا. وهكذا، تمكنت الشركة من خلق حاجة جديدة لم تكن موجودة من قبل.

التسويق للفياجرا: من دواء إلى أسلوب حياة

مع مرور الوقت، لم تعد الفياجرا مجرد دواء لعلاج مشكلة صحية، بل أصبحت رمزًا للفحولة وكمال الرجولة. بدأت الحملات التسويقية باستخدام وجوه معروفة مثل بوب دول، الوجه السياسي الأمريكي البارز، الذي تحدث علنًا عن ضعف الانتصاب الذي كان يعاني منه، كما ظهر لاعب البيسبول رافاييل باليميرو في إعلانات الفياغرا وهو في سن التاسعة والثلاثين فقط، ليرسل رسالة بأن الفياجرا ليست لكبار السن فقط، بل لكل رجل يرغب في تعزيز فحولته.

في السويد، أجرت فايزر استطلاعًا للرأي حول مفهوم الرجولة، وذلك في حملة تسويقية مبتكرة عام 2003، أظهرت النتائج أن الرجولة تعني امتلاك جسد عضلي متناسق، وعمل جيد، ورفيقة جذابة، استُخدمت هذه النتائج للتسويق الفياجرا باعتبارها تجسد "الكمال الرجولي". وهكذا، أصبح من يستعمل الفياجرا، رجلًا يسعى ليكونالأفضل، وليس مجرد رجل يعاني من مشكلة صحية.

الفياغرا وسؤال الأخلاق: ما هو الطبيعي؟

على الرغم من النجاح الباهر للفياجرا، إلا أنها أثارت جدلًا أخلاقيًا، خاصة فيما يتعلق بتحويل حالات طبيعية إلى مشاكل طبية تحتاج إلى علاج. هل من الأخلاقي وصف نصف الرجال فوق سن الأربعين بأنهم مرضى؟ في الماضي، كان من الطبيعي أن يواجه الرجال، خاصة بعد تجاوزهم سن الأربعين، بعض المشاكل الصحية المرتبطة بضعف الانتصاب. لكن الفياجرا غيرت هذه النظرة، وحولت حالة طبيعية إلى حالة مرضية تتطلب علاجًا.

أصبح الحديث عن ضعف الانتصاب في المجتمع الحديث أمرًا عاديًا ومقبولًا، فهل يعني ذلك أن 50% من الرجال في فئة عمرية معينة أصبحوا بالضرورة مرضى؟ هذا يطرح سؤالًا مهمًا حول ما يمكن اعتباره طبيعيًا وما لا يمكن اعتباره طبيعيًا في عصرنا الحالي.

 الفياجرا في العالم العربي والتغيرات الثقافية

لم يقتصر انتشار الفياجرا على الغرب فحسب، بل امتدت أيضًا إلى العالم العربي. وظهرت الإعلانات غير الرسمية للمنشطات الجنسية على شاشات القنوات الفضائية، مستهدفة فئة الشباب في العشرينات والثلاثينات من العمر. أصبحت الرسالة المروجة لها، الفياجرا ليست فقط علاجًا لحالة مرضية، بل هي وسيلة لتعزيز الفحولة الجنسية لكل الفئات العمرية دون استثناء.

ما تعلمناه من الفياجرا؟

في النهاية، قصة الفياجرا ليست فقط قصة نجاح طبي، بل هي قصة اختراع وخلق احتياجات جديدة وتغيير ثقافي. ساعدت الفياجرا ملايين الرجال حول العالم في استعادة ثقتهم بأنفسهم وتعزيز فحولتهم. ولكنها في المقابل ساهمت في إعادة تعريف مفهوم الرجولة والصحة الجنسية لدى الرجال.

أصبحت الفياجرا جزءًا لا يتجزأ من أسلوب الحياة الحديث، وربما يكون هذا هو أكبر إنجاز تمكنت من تحقيقه: إعادة تعريف مفهوم الرجولة في العالم المعاصر.

تعليقات